أغتنم ضوء النهار وأنام , هكذا تعودت . أنضغط ببعضي وألتف بقوة حتى لا أسمع قرقعة الجرارات ومطارق جاري الحداد وبذاءات صبية زقاقنا الضيق وتبرم ملامح زوجتي وصياحها كلما داسوا مساكب ورودها المسقية توا . لا يبدو الأمر ممتعا , الذي أستطيعه فقط أن أنام !
وأنا نائم , أو قبل أن أنام بقليل , رأيت كفها تقترب من كفي ! أنا واثق من ذلك , وواثق من هيئتي البلهاء وهي تتملى ارتعاشات ناعمة متوسلة عند طرف شفتها السفلى ولم أفعل ! مع أني حرضّت جوارحي لاغتنام الفرصة ما دام حلما وأنها لن تكون نهاية العالم لو فعلت ! سأعترف لكم أنه خطر لي في لحظة أن أمسك بيدها ! لكن هل هناك أي فرق ؟ أمسكت بيدها أو أمسكت بيدي !
في وقت مضى تواعدنا داخل سور المقبرة ولم تأت ! قالت لي اليوم بعد عشر سنوات إن محنة أخّرتها كل هذه المدة حتى تم طلاقها وظل في خاطرها موافاتي للمقبرة المسوسنة البيضاء التي تواعدنا فيها قبل عشر سنوات ! دخائلي المرتاحة قررت أنه ما كان لها شأن في أمر زواجها ولكن كان لها هذا الشأن في أمر طلاقها وأمر اختيارها لأحذية أنيقة مزررة . وكنت وما زلت أعتقد أن دخائلي محقة ! تطلعّت لها من رأسها حتى حذائها بوله مشتاق ملا حظا أنها صارت ممتلئة أكثر وفي نظرتها هذا التوق الجريء غير المشوب بالممانعة الحيية التي كانت عليها , كنت أعشق هذه الممانعة وأنتظرها من المرأة ولا أعرف لماذا تحسسني بسعادة ذكورية منتشية ببراءة ردود فعلها التي تفيض علي وحدي دون الخلق برغائب خاصة أفهمها ! أمتعني أكثر لون حذائها الصارخ الحمرة , وبالعدوى اكتسبت هذه العادة الحمراء !
لا أحد في المكان كله ولا حاجة لشخص ثالث إذا نحن في حلم رغم سماعي ما يشبه صوت حذاء يقرع الحصى وراء السور العالي !
شجيرات المقبرة باردة وظليلة وقررت في نفسي أنه المكان المناسب لرؤيتها ولأشياء أخرى إذا واتى الظرف . لهذا ما كنت راضيا وقت اعتذرت مني لزيارة أختها ومضت على دراجة نارية لم تكن في ساحة الحلم قبل سماعي صوت شخيرها وهي تقل أحدا وراءها بعد المنعطف ! تمنيت لو أوصيتها بنخوة عاشق أن لا تسرع لأنها لا تمتلك في رأيي مهارة السيطرة على مقود دراجة نزقة فوق أرض نازلة حصباء ! بلين أنثوي متكلف لوّحت بكفها أنها ستعود بعد ساعة وعلّي أن أنتظرها في مكاني تحت الشجرة الظليلة ! طبعا سأنتظرها وسأنتظر صوت حذائها , وسماع رنته المغوية بإثارة سافرة لا تقاوم . لا تسألوني لماذا ؟ ربما كان هناك شيء منحرف في مسار الحلم كله على بعضه أو في مساري ! هي التي تغيرت على ما يبدو , حتى الشجرة التي كنا نفصفص تحتها البزر ما كانت بهذا الطول , تسامك فيئها وتداغلت أوراقها ! أتذكرها وأتذكر أنني في شارع عريض أستعرض واجهات منارة على الطرفين , أتلفت حولي في وضع غير ملائم محاذرا أن تراني في الشارع وليس تحت الشجرة التي أكدت عليها ! أتماهل وأتطلع لموضع حذائي حتى لا أدوس قراني البسطات الممدودة على الرصيف . أفلي بنظري محتويات البسطات وأقرأ اللافتات الكبيرة –الحذاء الفضي , أحذية السلطان وأحذية الجيل وأبو الدهب –أحذية كيفما تطلعت مكتوبة على لافتات تورق على طرفي الشارع . أدعي أنني غير أبه باللافتات و مع ذلك لا أتوقف عن قراءتها وقراءة أسعار الأحذية وراء الواجهات الزجاجية !
في الأصل أنا لا أشتري حذائي جاهزا من المحلات , أفصله على مقاس قدمي مراعيا لونه الأحمر وانتفاخته البارزة عند مشط القدم ! الحّذاء من تلقاء ذاته صار يضع بذهنه هذه الانتفاخة البارزة عند التفصيل . طبعا في كل مرة أشدد على لون جلدته الحمراء أو البني المحروق على الأقل !
بسطات موصولة ببسطات على عرض الرصيف . أنتيكات , مفكات براغي بطاريات , مناظير رخيصة وأمشاط وأكوام من أحذية أوربية مستعملة راحت موضتها وكلها منارة لكن بوضوح أقل من المحلات الفخمة وراءها . على أطراف البسطات نثرت أكداس من كتب عتيقة أغلفتها مهترئة وبعضها ما زالت عليه صور لأسمهان وكارم محمود ملقاة بكيفية مبتذلة تثير الشفقة ! على زوايا البسطات سحاحير متعامدة محشوة بكتب تراثية ثقيلة ومراجع ودواوين شعر أطرافها مثنية . صاحب البسطة المتربع على مسطبة قليلة الارتفاع لم يرد السلام علي ولا استفزته محاولتي الملحة في النبش إلى قاع السحاحير والبحث عن مراجع بعينها مع يقيني أنها غير موجودة ! يمّسد على لحية سوداء بالكاد ناتئة ولا يتطلع , فهمت أنه اعتاد منذ زمن على سماجات زبائن سبقوني ونبشوا أكثر مني ! سألته للمرة الثانية مرققا صوتي عن سر وفرة كل هذه المراجع بجانب الأحذية العتيقة ؟ لم يرد أيضا , فقط شّدني لما صرت قريبا منه وأومأ لي بالجلوس على المصطبة وشرب الشاي الذي بدأ يصبه رجل يجلس في الزاوية وبجانبه عكازات خشبية مقمّطة بالخرق . هي ليست مصطبة بقدر ما هي منطقة ناهضة قليلا عن سوية الرصيف بضعة سنتمترات . الأمر يتطلب خلع الحذاء لأجلس بجانب رجل الشاي على حصير قدرّت أنه ومن معه يّصلون عليها . لا تسألوني كيف فهمت هذا وأنا في حلم !! المهم مسحت جلدة حذائي الأحمر بكفي ودسسته بإتقان تحت طية الحصير المثنية على شكل خاصرة مقبّبة سمحت بوضع حذائي تحتها ! أخاف أن يغري لونه الناري أحدا بسرقته لو تركته بين الأحذية المتفاعسة مطعوجة الكعب . لست في اليقظة على مثل هذا الحرص الذي أنا عليه في المنام ! حرصت على إفراده بفيء طية الحصير مشفقا على لسانه الأشقر المتدلي على جبهته الحمراء بوقار ممتلئ بالفخر من لمعته الوقورة ! لا أتذكرني كنت منشدا لصاحب المصطبة الذي وافانا وراح يسرد علينا خبرته في الخلق وأصناف الأحذية وامتياز بعضها بالصمود في وجه الزمن أكثر من غيرها حتى أقول أنني غفلت عنه ! بالكاد شربت كأسا من شاي أسود مثل القير منكها بمرار ذرب دون أن أسلو عن رنة صوته الحزينة , أشبه برنة المعزي في مأتم أكثر منها نصائح واثقة نهائية كما يؤكد ! للإنصاف , لم ألتفت لجهة ثنية الحصير بلهفة المحروم مع أني ما كنت ساهيا عنها , أتكلف إعطاء الرجل هيئة المتابع لحديثه بوقار متفهم وأخترع أي مناسبة صغيرة لأحك رقبتي وألتفت مطمئنا على ثنية الحصير . وكان قد خطر لي بقوة وقت يتوقف الرجل عن الكلام , أن أتوجه مباشرة لملاقاتها تحت فيء شجرة المقبرة .
المشكلة أن صاحب المصطبة لم يتضايق ولا الرجل الذي أمّنا جماعة في صلاة المغرب تضايق وقت مددت يدي تحت طية الحصير وعادت بدون حذاء ! زفر وتنهد فقط وأشّر نحو كومة أحذية عتيقة , بإمكانك أن تجد غيره بدون مقابل ! شرحت له بلهفة مفجوعة أنه حذائي الذي ضاع وليس كيفما كان ! وشرحت له أنني فصلته بقراري الذي اتخذته بملء إرادتي ! أما لماذا كنت مفجوعا لهذه الدرجة وأنا في حلم وأعرف أنه الحلم ! لا أعرف , للأحلام قواميسها ولست متأكدا أننا في حال اليقظة أصدق من حالنا في المنام ! قررت أن لا أقتنع ورحت أفتش في خزائن حديدية قديمة بانفعال واضح وأنا أرمي أسمالا عتيقة حولي كيفما كان . أمسكني الرجل متلطفا ومشفقا علّي وصب لي شايا لم أذقه هذه المرة , ملامحه كانت تترّجاني بأن أثوب وأهدأ , مجرد حذاء يا رجل ! وعلى فرض أنه ضاع , أين المشكلة ؟ السوق يعج بالأحذية ! مجددا شرحت له خصوصية حذائي وخصوصية إنتفاخته المهيبة , لا أعرف مدى حاجته لشروحي المتوسلة , ربما ليشفق علي ولم ينتبه ! ربما رفعت صوتي بالسباب أوالاتهام , يبدو أنني قلتها , وفهم أنني أعرف من سرق الحذاء , و لكني لا أتذكر أنني قلت له , أنت شريكه مثلا ! ولا كنت قد هدّدته أبدا ! تذكرت أصحابي كلهم , لم أجد واحدا منهم قادرا على الضرر حتى أهدّد به ! ضاع الحذاء المدلل وضاعت فرصة لقائي بالمرأة الوحيدة التي تجرأت أحلامي للتحرش بها . مشهود لي في إضاعة الفرص الكبيرة والصغيرة أو ما كنت أتوهمها فرصا ! أنا لا أعرف من سرق حذائي ولا أعرف الرجل الذي أقلته وراءها على الدراجة الشاخطة وراء سور المقبرة ! ولا أعرف لماذا لم تقل ملامح الرجل شيئا غاضبا حتى الآن ! رشف من شايه الأسود وهو يتمتم مطرقا قبل أن يمثل قبالتي رجلا لم أره من قبل , مديد القامة , وبهيئة منذرة غرفني بين ذراعيه مثل الرغيف رغم محاولتي المستميتة لوضعه بصورة خصوصية حذائي ! لم يستمع ولا أراد , دون عنف كبير جّرني نحو الرصيف ورماني على طول ذراعه وراء نؤي المصطبة مثل خرقة !!وأنا منقذف , وأهوي نحو قاع شارع عميق استيقظت قبل أن أرتطم بأكوام أحذية عتيقة بلون واحد تتصايح على بعضها تحت واجهات النيون الرقاصة .
الاربعاء, 05 سبتمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








