أكثر من مرة خطر لي أن أكتب هذه القصة , كنت أخاف إذا كتبتها أن تضيع مني اللحظات الحلوة التي أستمتع بها قبل النوم ! مثل عادة يومية توافيني ما أن أضع رأسي على الوسادة وأمرر التفاصيل , أنعس ثم أنام . من تلقاء ذاتها تقرفص على المخدة واسمع حفيفها المغنج الدافئ . أقص أحيانا , وأحيانا أضيف حتى يدوسني النعاس ! لم أقل لكم بعد شيئا عن المرأة بطلة القصة ! مواصفاتها مفصلة على النحو الذي يرضي عصابي العنيد مع أنها في الحقيقة جميلة وفعلا كنت أريدها بهذا الطول ! ليست في حقيقتها دون طول واضح , معتدة وشامخة , يأسرني اعتدادها الأنثوي , وبالكاد تحسها ممتلئة بعد النظرة الأولى . هل قلت لكم لماذا هي جامحة مثل الفرس , شعرها واندفاعها وكل ما فيها تحسه جامحا , هل بقي ما هو أروع من هذه الصفات لأنثى تشاغل أحلامك كل ليلة ! لست واثقا أنني التقيت بها لولا أنني التقيت بها فعلا ! ومع أن قسما من شخصيتها نصنعه أنا وخيالي إذا انطفأ النور لتروق لمزاجي المدلل , غالبا أرش عليها غبرة حياء شرقية خجولة أنتظرها من المرأة حتى تصير على المقاس تماما!
لا أهمية لكل ما سبق إذا لم تكن هي بالذات أحبتني!
من جهتي جعلتها تلهث ورائي , تلهث بذكاء امرأة ناضجة تعرف ما لديها وتقرأ اعتمالاتي النفسية بمهارة ! ما حرصت عليه هو أن أطمعها دوما بالالتفات صوبي بما كنت أفرشه من إغواءات ذكورية غامضة ومتأبية ! هي لا تعرف أنها حصون أختبئ وراءها لا أكثر ولا أقل , أتكلف أن لا تكون هذه الإمتيازات التي أجيدها موجهة مباشرة نحوها ! لو أدركت هذه اللعبة لضاعت المتعة التي أتنعم بها وحدي آخر الليل . أنتبه كثيرا لتسميك هذه القشرة المزيفة المثيرة للفضول من جهة , والمثير أكثر معرفة تقطيرها في الوقت المناسب بأفانين عالية . أحيانا أنسى أنها لعبتي وأمعن في اللامبالاة للدرجة التي أرتاب معها أنني ما زلت ضمن اللعبة التي أرسمها . هل قلت لكم اسمها ؟ ليس مهما على كل حال.
الذي يذهلني هذا الاعتداد الآسر في هيئتها وحديثها . بقوة مع ذلك أطمح لنزع هذا الاعتداد المتأبي حتى أراها ملهوفة ككل النساء وعاشقة أيضا ! يبدو أنني أحدثكم عن امرأة بعينها , لكن لا تنسوا شموخها البري الغزلاني وبحة صوتها التي مع ذلك ما زالت متأهبة لتحقير أقل رغبة نوت التحرش بها.
خططت لافتراع مسالك ذكية لتصغير هذه الأنفة حتى أستطيع أن أولجها في فتحة رغائبي دون مقاومة وأطبق عليها , لا تصدقوا أن رغائبي بريئة دوما ! لكنها وقت تكون تحت إبط أحلامي أحيلها إلى امرأة أطوع وأحن.
أتذكر أنني قلت لها ونحن في ممر الثانوية الطويل بين صفوف الباك المفتوحة على الجهتين , نعم قلت لها بقسوة شبه منتقمة ما معناه أن ملامحها الفوقية الواثقة ليس لأنها أرملة جميلة عافت زوجا وسيما موفورا فشل في ترويض جموحها , ولا لأنها متفانية في عملها , ولكن لماذا ؟ سألتني مستنكرة ومنشدة للحديث المتقحم عليها بدليل أن عريف صفها لحقنا بعد تجاوزها باب الصف ليذكرها أن حصتها عندهم ! ولكنك لم تقل شيئا غير أنها جميلة ومتفانية ! الكل يقولون هذا ! لولا أنني قلت لها أكثر من ذلك وهو ما استفزها وحولها فورا اعتبارا من هذه اللحظة لكائن في منتهى اللين والرقة . لم ترد علي , ليس بإمكانها عندما يلامس الكلام منطقة الوجع تماما . ومخافة أن لا تواتني فرصة مماثلة استرسلت ودلقت رؤيتي كلها – أنت حزينة من داخلك , لست حزينة فقط ولكنك مهزومة , مهزومة ومرعوبة أيضا , أقصد أنك خائفة ! هو بالضبط ما قلته . وبلهجة أهدأ وأنا أتملى عن قرب ملامح عدائية مندهشة وضحت لها أن هذا الكبر الأنثوي أمر عادي في مجتمعاتنا كوسيلة دفاعية لولا أنها ستتحول لحالة مرضية إذا أمّعنا في استعمالها ! كلنا خائفون , كذلك بررت لأبرّد تضوّرها الداخلي , وكثير من هذه المخاوف أزلي لا حيلة في التخلص منه كما نتوهم . لذلك نمنع بشراسة أي محاولة ولو كانت متوددة من ملامسة هذه المنطقة أو ولوجها , بل نغالي في تسويرها حتى لا ينكشف ما نحن عليه للغير ! لا تعرفون كيف كانت محملقة وهب تصيح مستنكرة , أنا ؟ طبعا أنت , أنت وأنا والجميع فينا آفات نرهن طاقة كبيرة لإخفائها , لو انفضحت , لفقدت الحياة الكثير من ألقها وروعتها , هل فهمت علي ؟ يبدو أنها لم تفهم , أو تكلفت ذلك , ولم تنتبه على ما يبدو لجملتي الأخيرة المواسية بأننا لسنا أسوياء كما ندعي أو لسنا على سجيتنا على الأقل ونعاند بقوة كل من ينكش في هذا الجدار . هل قلت لها كل ذلك ؟ وأكثر , بدليل أن دهشتها البلهاء جعلت ملامح وجهها النضير يقف على حافة البكاء.
أعرف , وهو ما أطمعني , أنها تثق كثيرا بوجهة نظري التي وصفتها في حضرة مسئول كبير بأنها كالذهب ! لا أتذكر بدقة أنها قالت ما قالته قبل أن ألتقيها في الممر أو بعد ذلك ! ربما , وهو الأرجح أنني لم أسجل يوما في ذاكرتها تراميا للنفاق أو التودد لها كما غيري من المدرسين , وربما وهو الأرجح أن ما قلته مولف تماما على حقيقة دخائلها وأنا أختم وجهة نظري القارصة لكن ببحة رؤومة متفهمة أنني أنتظر غير هيئة العناد , أنتظر فيها الأنثى.
لن أستفيض في اصطناعها الصدف و وهو أمر جلل بالنسبة لها , حتى نلتقي على الأدراج والممرات ومقاعد البوفيه ! تحيي بلهفة مبتسمة مشرقة وأهز لها برأسي دون أن أبدل من وتيرة خطواتي أو ملامحي , أنتشي في سري وأنا أتابع الارتدادات الناعمة ومحاذرا الوقوع بأدنى هفوة متلهفة مني ! أعرف أن ذلك وعلى مرأى الآخرين سيقلل من مناعة حصوني الكاذبة.
مفروغ منه أنني لن أعاند حتى النهاية مع امرأة ! فما بالك إذا كانت مع المرأة التي صرتم تعرفون عنها الكثير ! ولا تصدقوا لو قلت لكم غير ذلك , كنت أضبط نفسي الوقورة , أنا كنت أتوهمها كذلك , تسجل تنازلات بدت ملفتة في سلوكي ولباسي , ومهما برّرتها فهي تنازلات ! من بإمكانه تلافي طراوة الابتسامات والعبارات المبحوحة بعرفان يتراقص مثل حبات النور على الوجوه المندهشة المتسائلة عن سر هذه الفراشة المطيبة بألوان الفرح والمضمومة بالخجل والاعتذار ! كنت قد قلت لكم أنني حتى الآن لم أندلق ولم أستطع أيضا مقاومة القعدات التي صارت حميمة في غرفة المدرسين المصاحبة بعرات ملذوذة متهادية تحت رق ظهري وقت أعاين عن كثب متدبر حيويتها الفائرة بالنضارة التي تصّب في جهة الحياة المكتشفة بقرانيها الأربعة!
والحال على ما ذكرت , رحت أختلق ذرائع مناكدة تتفق مع بنيتي النفسية من الأساس بالتماهل والتلكؤ عن المتابعة بالحماسة التي هي عليها , دون قصد بدأت أنسّل تدريجيا من اللعبة التي كنت بطلها , عادتي المزمنة التي من مهامها تشويه حياتي ومطاوعة عقلي المشاكس الذي أحمله , عقلي منجم التبريرات أعرفه , لديه مهارة عالية في تعطيل هناءة عيشي , يقول لي سنك غير لائق يا سيد ! ولكنه متى كان لائقا ؟ قل لي , نعرف بعضنا منذ خمسين سنة , وأعرف الموال الذي تردده ! العائلة , الغربة , وضعك الاجتماعي , ظروفك المادية ! هذا ديدنك , تعدد وتردد حتى تصل لفلسطين والهجمة الإمبريالية ! وأعرف كيف ينشب في وجهي مثل أفعى مسفها ومنغصا علي في وقت لا أستشيره ولا أحب أن يتذكرني ! تسلط علي وأثقل خطاي وما زال قادرا على أن يجلدني بقسوة وأطاوع ! ولحسم الاشتباك , قررت , أو توهمت أنني قررت أن أتصالح مع نفسي الحارنة ! مثلي لا يصطبر على الفرح والتفاصيل الحلوة التي كنت أتحمم في دفئها , مّعولا أن هذا كاف وممتع كلما وضعت رأسي على وسادة ! سنين مضت وهي تحوم وما زالت فوق وسادتي مستذكرا هناءة الألق الملهوف ومستذكرا كلمتها التي صّبتها في وجهي مثل الطلقة الحامية وبهيئة تغص بالأسى المفجوع , وهذا لم أقله لكم , قالت لما صرت قبالتها على الدرج المفضى للباب الخارجي .. اسمع يا شيخ , قالتها بثقة منتقمة قبل أن تزيحني من طريقها وتمضي بالاعتداد الذي أشتهيه , لا تنس أنك خائف أكثر مني , أكثر بكثير يا شيخ.
الاربعاء, 05 سبتمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








