ظاهرة التماهي 26 للتماهي علاقة أساسية بالعدوانية التي تنتعش بحسب حجم الإحباطات التي يتعرض لها الشخص أو الأمة. القابلية العدوانية والرضوخ توأمان، أحدهما يتقحّم والآخر ينكمش، وكلاهما مؤشر غير سوي للبنية النفسية. الرضوخ يفضي للقبول والاستسلام والإذعان والخضوع والعجز والخيبة وطغيان مشاعر الفشل والتردد والخصاء الذي يقعد صاحبه ويلغي حدوده الإنسانية ويلجئه دوما للبحث عن مشجب يعلق عليه رماماته التي ولدها تاريخ طويل من سلاسل القمع المهين، لا بد في كل الأحوال من البحث عن مخطئ نحّمله أخطاءنا ! في مرحلة معينة لن نجد سوى ذواتنا وأفكارنا وإديولوجيتنا المهزومة ومنهج حياتنا الخائب. لا بد من متهم ليحمل وزر أسقامنا غير الجديرة بالحياة التي نعيشها. اعتبارا من هذه الخطوة، نقرر القفز للجهة المقابلة ! أول ما نفعله، نبدأ بإدانة مواصفاتنا الرميمة ونحاول تفجير طاقاتنا العدائية نحو جهة ما، حيث كانت هذه الجهة، إما أن نفعل، أي نوجه قوانا المشلولة بعد استجماعها نحو العدو الجديد، أو ننزوي مذعورين مقرورين لا حول لنا ولا قوة، أو سنعمد لتبني مواصفات الجهة التي أذلتنا ! يصعب البقاء مثل قشة يابسة تذروها الوقائع ! لا بد من البحث عن حالة أخرى غير تحطيم ذواتنا وتعطيل طاقاتنا وارتمائنا في حضن تصرفات عبثية تتضاد مع حس الكرامة. القامع هذه المرة هو الذي يتحول إلى أسطورة بداخلنا، لا يهم إن هي أسطورة خيرة أو شريرة ! أسطورة من مقاس أمريكا أو الغرب أو مذهب ديني اكتشفناه للتو أو التطلع بريبة لأمة ما كانت في البال متحاملة علينا أو على قيمنا، أي شيء يجب الوقوف في وجهه بعنف متشف وغاضب. العنف هو الخطوة الأولى المتوجب اعتمادها لتجاوز العتبة الزلقة التي حذرونا منها. نعرف كيف يستثمر الحكام هذه الأسطورة عند اللزوم ! أصلا هم من يساهم في خلقها وجعلها بعد قص الملاحظات المريبة تبدو وكأنها تتربص بنا وبمفاصل وجودنا كله. الشر المتعين بشخص أو فئة أو إديولوجية بديل عن النوازل القريبة والبعيدة التي نزلت على رؤوسنا من كل جانب وتتصل مباشرة لو أمعنا النظر بقصر السلطان. إذا كانت اللعبة مفضوحة ! يتم ترحيل المشكلة خارج الحدود مع إبراز تعنت المشكلة وصلفها ! بالعنف نعبر عن عدوانية عتيقة تخمرت في النفوس منذ أزمنة طويلة بحشد الكره والحقد الثاوي في لا وعينا. هناك غبن مزمن نالنا، أو هذا ما نتوهمه بعد عمليات غسل الدماغ، ونال الأمة ! العدوانية المتحركة والقابلة للعدوى والتنقل ببساطة من صدر شخص لآخر ستشكل مناخا مستنفرا على الدوام داخل التركيبة النفسية. بنيتنا النفسية مركبة على نوابض نزقة ولاهبة تسعى عمن يتحرش بها حتى تنفلت فورا مشكلة هزة كبيرة داخل الشخص أو داخل الأمة التي ستغضب وتتقحم كالبركان الأرعن المحقون منذ أجبال طويلة، إذ تنفجر، ستطيح بكل شيء ! لكن ما علاقة العدوانية المدمرة بظاهرة التماهي؟ التماهي هي الحالة الأكثر شيوعا في مجتمعات عانت طويلا من التسلط والقهر. وظاهرة التماهي حالة مألوفة وشائعة عن علاقة غير إنسانية بين القاهر والمقهور. وما يجب توضيحه أن التماهي ليس حكرا على الضعفاء والمظلومين وحدهم، بل تشمل الحكام والسلاطين المتماهين بالقوى التي سيّدتهم على شعوبهم ! من هؤلاء؟ لا أعرف، المهم أنهم الذين مكنوهم من رقاب الخلق لفترات طويلة ! الناس العاديون الفقراء المسحوقون يتماهون بطريقة أوضح، طبعا يتماهون بالسيد القاهر الذي قمعهم وأذلهم ! يؤّملون أنهم عندما يتماهون بسادتهم سيتخلصون نهائيا من توترهم وقلقهم ! ليس من حل لتجاوز المحنة التي أخضعوا لها غير التماهي. التماهي آلية غير واعية بجزء كبير منها، حل سحري لا إرادي، مضمون ومجرب، ويجنب صاحبه التعرض لنوبات المشاعر المخذلة والمهينة بضربة واحدة. الأساس في التماهي ذوبان شخصية الفرد بالآخر ! والآخر هو الطرف الأقوى والأذكى والأغنى والسيد المنسول من سادة. وقت تذوب شخصيته يكون قد خطا الخطوة الحرجة وقطع نصف المسافة نحو التماهي، السيد القاهر بأسلوبه في القهر وفي عدوانه وحديثه المتهم للأضعف منه ! يجعل الضعيف المقموع متماه بأسلوب حياة القامع اليومية وسياراته وقصوره ومشترياته ولباسه وطريقته في الحديث وكل مثله العليا والسفلى التي تتسّيد على مفاهيمه، ليس من حل يكفل البقاء والتوازن أو وهم التوازن، غير التماهي.. ظاهرة التماهي تبدأ بالإعجاب أول ما تبدأ. طبعا إعجاب الأضعف بالأقوى والأغبى بالأذكى وهكذا، مع الوقت والتكرار، يتحول الإعجاب إلى صيغة جديدة تنحرف عن مسار الإعجاب، فيتهم كما قلنا نفسه ومعاييره الخاصة التي طالما تباهى بها سابقا، ويتهم ضعفه وبؤسه وحياته المهزومة، يخجل من الإشارة لمكان انتمائه على مسمع الناس وقد يغير لهجته أو لغته كلها حتى لا تشي به، يتنكر لأهله وبيئته وثقافته وعاداته التي يحولها مادة للتندر والسخرية. لأهله ولنفسه يتنكر ويحتقر قيمه التي كان يكبرها ويحتقر أصوله التي ستبدو له كم هي بائسة ومتخلفة مكدسا الأدلة التي تبرهن عن ضعفه ومهانته، أو كأنه يحلم بوضع نفسه مرة واحدة مكان سيده ويلعب دوره ويتسلط على من كان حاقدا عليه وأضعف منه. ليس إفراطا في سلوك الشخص الخائف من سيد يرهبه سواء كان الأب، المعلم، الشيخ، شيخ العشيرة، الحاكم ! ولكن ليتخلص من مأزقه الخاص. بالتدريج يتشرب سلوك سيده ومزاياه حتى طريقته في استعمال الهاتف وإبداء ملامحه العدائية الناهرة وغضبه وصغائره ! يذوب تماما ويحول نفسه إلى مسخ مزور قرر الهرب إلى الأمام ليلعب بورقة قاهره، محتقرا مشاكله الخاصة، متطلعا نحو مشاكل سيده، متلبسا هيئته، إيثاره وعدوانه ! باختصار، مربط الفرس في التماهي نكران الذات وتحول المقهور إلى قاهر يمارس امتيازه الجديد على كل من يراه مستعدا لتقبل قهره ! بما في ذلك أولاده وزوجته ! مبديا تعاليا غير مفهوم نحو عائلته وعلى كل من يعطيه هذا الدور، هو ما نلمسه في الريف بصورة واضحة أكثر من المدينة وقتما تتعالى فئة على فئة أضعف منها بعجر لا يطاق وابتداع أساليب مثيرة لإبراز هذا التعالي. نراها أحيانا بين مسئول وموظفيه بكيفية مقرفة، أو لدى موظف عادي مع الناس المنتظرين قضاء حوائجهم عنده ! لا أبذا ولا أحقر ! الضابط في بعض المراتب العسكرية المتعالي على عساكره، المرأة الجديدة الفتية على الزوجة العتيقة ! الجميلة على من كانت أقل جمالا دون خجل، الميسور على الأقل حظوة ! المتعالي لا يخجل من إبداء تشوفه المرضي، من المرض، واستعراض رموز قوته الضارة أو القادرة على الضرر في ثنايا حديثه وطريقته في الجلوس وإبراز مسدسه وسطوة معارفه الماسكين بالمفاصل الحرجة ! الدول أحيانا عند استعراض قواتها المسلحة، البدوي الذي يسن سكينه على مرأى الخلق قصدا. أكثر ما تظهر لدى الشعوب الضعيفة وقت تحس بالخطر وهي تستجر جيشها وآلياتها وتعرضها في الشوارع تحت ذراع القائد، تنفش ريشها وتنفخ ذيلها كالهر المحاصر المتحضر للخمش ! ليس ضد أمريكا هذه المرة بل لإيقاع الرعب في روع الشعب المرتجف من الهلع، طبعا حتى لا يخطر لأحد أن ينام آمنا وينفلت من الرسن ! ما حيلة الضعيف لطمس إحساسه بالقهر الذي شوهه واضطهده حتى النخاع؟ تفاصيل الحياة الصغيرة كالحكم والأمثال والأغاني الشعبية المتداولة بما في ذلك الشعر والأدب أيضا كلها تساهم مثل النوابض في إمتصاص الصدمة وتخفيف الوجع للمستوى المحتمل وكلها أيضا لا تريد من يذكرها بضعفها وذلها علنا، ومع معرفتها بكل ما يدور، تراها تكبر السيد وأمجاده وتنظم فيه شعرا مدويا وتعقد ندوات ومؤتمرات لتذكر بإلهاماته وحكمته الفذة ! ومع معرفتهم غالبا، تراهم يتغنون بانتصارات يعرفون أنها غير موجودة ويبتدعون آليات نفاق غير مسبوقة، عبارات تشع بافتتان فضائل مزورة ورخيصة يبذرونها مثل النذور عند قباب الأولياء والمخابرات. يعبرون عن هوية جديدة صاروا عليها ثم يمدولون بذيولهم على أنها مهارات عصرية متكيفة فيما هي أرقام تشير إلى رجال مخصّيين لا أكثر ولا أقل ! وقت يتماهون، كل نأمة يتم تقليدها، معاملة السيد للرعية، لون سيارته، لون حذاء زوجته ! نهائيا يقطع علا قته مع منبته ويستعد بالكامل للموت في سبيل السيد مقدما له الدلائل الكافية على تفانيه بكيفية تخجل منها المواخير والجبانات ! فقط يشي بأقربائه ومعارفه ويبطش بهم ! لو سألته أو استرحمته، يمتعض بهيئة متعجرفة متوعدة خاصة تجاه من يحاول عن طيب قلب أن يذكره بأصله وماضيه ! تقتله الغمزات الجانبية والوشوشات الصغيرة التي تستذكر أصوله. لا يتردد إذا كانت الجريمة برهانا لإثبات ولائه أولا وليتحرر من عجزه ثانيا أن يفعلها، لأنها تعبير واضح عما يعتمل في صدره من قهر عتيق تحول عنده لسلطة قاهرة، وهو الأسلوب المتبع لإحلال سادة صغارا منحرفين متماهين شهويين محل سادة سابقين صاروا خارج الدائرة، السابق ليس أعجز من اللاحق ! كله عاجز وكله متماه بمصدر القوة مما يجعل أسلوب حياة القامع تأخذ بلبه وتذهله فيتماهى معها مهما كانت بصورة كاريكاتورية مضحكة. ببساطة يقرر المتماهي أنه مزيف ! أسير مظاهر، يجيد مهارة تغيير الأقنعة على أمل أن تمنحه هوية جديدة تنتمي لمجتمع جديد حسب رأيه، وحسب رأيه سيبرر لنفسه كل مرة أنه منقطع عن منبته مغاليا بالعبارات المتوعدة المتعالية، ليثبت ذلك لنفسه، يختار ضحية ضعيفة ليمزقها بلسانه، جيرانه وأهل حارته وأصدقائه، ممررا قسوة كلامية فظة عوّد لسانه عليها وهو لا يني في كل مناسبة تذكيرهم بمقامه وباللوائح التي داس في بطنها وارتقى. حنين لا يخفى للعب دور الجزار الذي كان عليه سيده، وهذه المسرحية تتكرر يوميا في البيوت والمكاتب والأزقة وتثير القشعريرة. العالم العربي كله مصاب بهذه الآفات وبعقدة الوجاهة المزيفة. وحتى ينتقل لضفة الوجاهة لن يتورع عن أقل نقيصة، يسرق ويكذب ويرتشي ويدس على معارفه وينافق ويحتال ويستغل ويضلل ! يؤمن بكل ما يتضاد مع مصالحه الحقيقية متقبلا برحابة صدر ما يسام به من اضطهاد ومذلة الأقوى منه، متباهيا بذله وكأن اضطهاده يعلي من شأنه ويمنحه قيمة متميزة. أي أنه يتحول إلى حشرة سامة ! وهو بذلك يمنح المتسلط عليه مشروعية تتجاوز اللوائح وتصل لتقديسه وتقديس أقواله وأفعاله والترنم بها على مسمع الناس والإعلام كإيقونة دينية يكررها بغريزة مقرفة ! ما يمت لغير قامعه من افكار وبحوث ومواطنة وحرية وعدالة مجرد ألفاظ تثير غيظه ويتعامل معها بحذر مريب ويعتبرها عدائية ولا تعني شيئا مقابل حكمة سيده النارية الملهمة التي تتجاوز ملكات الناس المحدودة. المتماهي لن يخطر على باله خلاص المجتمع من مآزقه، سيّده المحور وحوله تدور الأفلاك ! مع أن ما يناله لا يعدو الفتات إذا نال ! وما يطرحه العقل غير مقنع ! مجرد هلوسة كنبات غابي أولي راح وقته ! يجتهد من جهته للرد على هلاوس العقل من وجهة نظره بإبداء كل صنوف الإذلال والرضوخ التي شكت استلابه الحاسم وألغت حدوده الإنسانية تماما. يعطل ثقته بنفسه وحريته وقدرته على الفعل ويطمس الحقائق ويصبح آلة ميتة مجترة تحرس بقاء سيده تلقائيا بعناد من داخله. نبرر أنها النفس اللوامة المغرورة التي أعمتنا عن كشف قماءتنا وتفاهتنا في حضرة شخص القائد، نعظم نذالاتنا بآلية قوقائية غريزية لحساب تأليق صورة السيد النبيل الشهم الأمير الحكيم، بنفس الآليات نلجأ للسماء ورجالات السماء التي قدسناها وقدسنا سدنتها حتى لا يتحرش بها أحد ! المناطق المقدسة محرّم الدوس على ترابها، محروسة من داخلنا التي سحقتها السماء منذ قرون وقرون بعنف سماوي حنون وفتان وصار عين الحكمة والرحمة ! الإرث المقدس كله سينتقل لكل ملاحق السماء ورسلها ورجالها وخلفائها وصحابتها والمبشرين بالجنة وآل البيت وقادة الجيوش والفرق العسكرية وتطول القائمة وتطول، نتحدث، في حال كان موضوعنا السماء، عن طهرانية بكر ولفحة ألوهة حانية تصب ارتياحا في روع المتقين والذين لم يتقوا بعد ! القداسة تمد رأسها الخجول المتواضع الشفوق وتشملنا بالعطف فنصير ! أوتاد جديدة في كل يوم تدق في أصلابنا لتوسيع مملكة المقدس، إقطاعيات أخرى ننتزعها من مساحاتنا الإنسانية وندخلها بيت الحريم، ممنوع الدخول، ! نحن على ما يبدو محتاجون لمستشفيات نفسية أكثر بكثير من حاجتنا للخبز والأمن ! ظاهرة التماهي اللعينة عطلت قدرتنا على التفكير والمقارنة وأعمت بصائرنا وحولتنا لقطعان بشرية لاهثة على أعتاب حكمة كل من أذلنا وقهرنا ! ننافح عن النذالات حتى الموت ! ونتنافس في ابتداع كرامات عصرية لهذه النذالات على جهاز الكمبيوتر والجوال على أمل أن ترتاح إشارات الاستفهام الموسوسة من داخلنا ولنفتح مستوطنات نورانية جديدة لها في أكبادنا المعطوبة، وصارت على ما يبدو مبشّمة في خلايانا بقوة. التماهي مريح للحاكم وللمحكوم ومريح للسماء وللأرض. به تنشد لحمة الأمة وبه يتم إعلاء البوط الضاغط على الأنفاس ! هو، للحق، أحد أشكال التحايل الناجحة لتنويم الإرادة وقتل الروح الإنسانية المقلقة بالبحث عن الأمن والتخلص من القلق والتوتر وتأمين الاستقرار المزيف بالانحياز نهائيا لصف القوى الجبارة الناهشة في لحم الأمة ! وهكذا ننتهي من ذواتنا المذعورة النادبة والمشككة إلى الأبد، يتكشف عرينا، ليس مهما، قد لا نشبع الخبز والكرامة، ليس مهما، ليكتب من شاء أننا أمة مسحوقة ونبحث عمن يسحقنا ! ليس مهما، ألمهم أننا ارتحنا تماما من فذلكات الضمير وأحكامه وتعابيره المشوشة. ليست مجانية هذه النعم ! لقد دفعنا واحتملنا كما دفع الذين سبقونا وتم تدجينهم قبلنا بالغلبة المقدسة الصارمة التي منحتهم المشروعية. هذه الحيلة الشرقية بامتياز قديمة وناجعة وتنقلك من سلخ جلدك في الصباح لكائن أبله يسبح بحمد الجزار الذي سلخ جلدك في المساء ! نحن دون خلق الله مزّورون ونتناقل هذه الإشارات بنشوة المنتصر ونتحول مثل الكريات الحمراء التي تدافع عن جسد صاحبها باستماتة لأنها مصّممة على أداء الدور المتفق مع وظيفتها الموجودة من أجله. توطنت مشاعرنا على تقبل هذه القدرية وإكبارها وإضفاء نعوت التبجيل عليها، نبّجل ونزحف مثل الكلاب ونسبح مثل الحراذين ! يقولون لك إنها عملية سهلة ومربحة ! حتى الدين لا يمانع أنه أول من أسس لهذه الفضائل ويباهي بذلك ! وبعضهم يؤكد، من الدين أن ُتظهر خلاف ما تبطن ولك الأجر والمثوبة. قمامات فقهية تروح وتجيء مع ظل الإنسان المتحرك، تغيب وتحضر فيما السماء فوقنا زرقاء والسادة فوق رؤوسنا مبتسمون باقون، فلم المماطلة؟ ولا على بالك، نحن بانتظار المسيح المنتظر أو المهدي الذي سيكنس الضلالات ويحق العدالة، هو على وشك الوصول لأن الظلم استفحل في الأرض وما عاد الاصطبار ممكنا أكثر من ذلك ! لا تقلق، السماء هي التي ستتدخل هذه المرة لو استشرت النذالات ! سنقصم ظهر النذالات بضربة قاضية ! مستحقات السماء تم تجييرها لصالح سكان الأرض أو وكلاء السماء على الأرض نهائيا. بالتماهي ننوب عن الله في حراسة ما صار مقدسا. مزودون بأجهزة داخلية ضامنة ومتكفلة بالعمل وفق التوجّهات الراضية على أحسن وجه. بعلمنا أو بدونه تعمل ! تدلنا كما الغريزة وتشنع كما الضمير بصرف النظر عن النفع أو الخسارة ! لصالحنا أو ضدنا تعمل ! وتسفهنا لو خطر لنا أن نتساءل ! هل كل ما بذل من جهد مجرد وعث ما لم يصب في حضن السماء ! وأهل السماء، ولغة السماء الملغزة، المهّددة في الآن نفسه. لديهم هذه المهارة بنقل محصول الأرض إلى الأعلى واستبقاء ما هو مادي تافه يعادل هذه الأرصدة والقصور والجواري وما لذ وطاب من نعائم وفجور ! ليس بهذه البساطة في حقيقة الأمر، يتطلب الحال احتراما مهنيا عاليا للدور الذي يقومون بإنجازه وتلبيس هيئاتهم غموضا سماويا غير مفهوم، بإمكان كل واحد أن يسقط إعتمالاته الخاصة ورغائبه الضيقة بلغة آمرة زاجرة تحت لسانها يتدفأ اليقين كله ! لغة تلمّح أكثر مما تظهر، نملؤها بما يرضي هلعنا وغباءنا متوهمين أنه السيد الجبار الذي يمسك النوازل إذا نزلت ويمنعها من الانفلات ! دون أن ينسوا تذكيرنا دوما بملاحظات تديننا على اعتبار أنه المتفضل علينا بلسان ربه منذرا قبل فوات الأوان. أسوأ الأدوار وقت يقوم الحراس بدور الملك ! وهذا ديدن تاريخنا بطوله وعرضه. تهديد ووعيد قبل أن تنفلت الحظوظ السوداء المتربصة بنا ! إذا انفلتت من يمسكها؟ فليتدارك كل واحد نفسه قبل فوات الأوان ويتلمس أعضاءه التي قد تشي به !. مساحة الامتيازات الأرضية والسماوية تتوسع على حساب إنسانيتنا بالاستفادة من تقنيات العصر وكفاءة الضبط. الأساس هو القوة القاصلة عند الحاجة، القاصلة أو المفجرة، والتفجير هو جزء من هذه القوة ! تفجير، عبوات، أحزمة ناسفة، قنابل من كل الأوزان ! رعبوتها أنها لا تضع شخصا بالذات تقصده، تقش مثل العاصفة كل من يقف في طريقها ! للموت قواميسه من أنكر ونكير لعذاب القبر والمزّربات الطالعة والنازلة للأفاعي والعقارب والجلد والحرق وكل ما ابتكره الخيال المرعوب، وتم حشر هذه الثقافة في روعنا التي تبدأ مع وضع صفائح القبر. مسلسل رعب موروث من كل أساطير المعمورة الغابرة بحيث لا يخطر لمتهور أن يقارع هذه الآليات المحكمة المصّممة بعراقة مشهود لها ومضمونة النتائج. رعبوت السلطان بجزء كبير منها ُمستمد من هذه المرجعيات المنغرسة في الأفهام المرعوبة منذ الصغر. الكل يتنافس في ابتداع الوسائل الأنجع لتوصيل هذه البديهيات ! لا حيلة لديك غير أن تلطأ تحت حائطها وتسبح بحمدها ومهما نالك من عذابات دنيوية فهي استيفاء مبكر عن مستحقات مترتبة عليك ومسجلة في دفترك وستسددها في الدنيا أو في الآخرة، عذاب القبر تسلية محسومة من حسابك ريثما يضرب بوق النفير وتنتصب الموازين، أحيانا الدفع مقدما ! في الحمامات منطقة تفصل بين البركة الخارجية المنعشة وبين بيت النار، وهناك منطقة بين مكتب المحقق والزنزانة، البرزخ منطقة تفصل القبر وما يلحق به عن الموازين والصراط المستقيم. لم يقل لنا أحد أننا لم نستفد من مسلسل الآخرة !. عليك باختصار أن تنسى كونك إنسانا، هذه ُتهمة مريبة، ما عليك إلا أن تتماهى وتسبّح وتمّد رجليك ريثما تلحق بالرفيق الأعلى أو الرفيق الأدنى. الخلاصة باختصار، لا نريد من يذكرنا بالعقل والحرية ! منشدوّن كليا للماضي المنتصر، ولا تعنينا مفردات الكرامة والإنسان والفكر، ما نقوله هو اليقين وهو الحكمة ! طبعا نقوله بلغة قاطعة مثل حد السيف. نرتاح من تبعة المسؤولية والواجب واللوائح. قال فلان وقال علان وانتهى الأمر ! نرددها بفحولة لغوية هادرة مثل السيل ورجولة حازمة تختصر في إهابها النصر كله. ثقافة النصر التي نتوهمها، تلجئنا للبحث عن كيفيات اللطوء والخنوع ومن ثم آليات الحقد والعنف والقتل الصادرة كلها عن جذر رعبوتي واحد عتيق وجديد. العنف يستتبع البحث عن آلية تصريفه بصيغ وأشكال يتفنن الماضي والحاضر في تلوينها بلون السماء الزرقاء مرة وبلون الأرض الخضراء مرة أخرى. الخوف والذعر اللذان يختصران ثقافتنا مسئولان عن فرص تمريع العدوانية التي ترفع رأسها وتخفيه وفق درجات الحرارة المواتية في تاريخنا. للقهر المديد الذي سحقنا دورا أساسيا في تأكيد هذه المخاوف المتنقلة حسب الظرف من خوف لعدوانية أي نحو الأمام أو للخلف ! ونتوهم أنها التي ستخلصنا من الآليات العاصرة التي مذ وعى التاريخ وهي تضعنا بين فكي الرحى من هنا كانت حياتنا نهبا لمسلسلات لا تنتهي من صنوف العدوانية والقتل والموت ورائحة الدم الممّجدة كثيرا في تراثنا. الآخر موضع ريبة وهو عدو بلا نقاش ويجب سحقه. عقدة العاجز المتهم لغيره ! نحيطه بالخوف والرعب الأسطوري والكراهية وبذلك نرحل العنف المنتج محليا نحو عدو وراء الحدود بمهارة. ووقتما لا يوفر لنا الآخر الفرصة نصّنع آخرا على مقاس الدفق العدائي فينا، لا بد من دريئة نرمي عليها ! نستطيع استنفار المشاعر بسهولة إذا كان الآخر كافرا وخائنا أيضا ! يبقى في ثقافتنا موضع ريبة وإن لم نستطع له شيئا، إذا استطعنا لن نتردد، وبعد أن نغزوه ستجري الذرائع في أكفنا في خمس دقائق ونقوّل التاريخ على هوانا ونستجر النصوص لخدمة شواربنا كلما أعوزتنا الوقائع. ننشّد بانفعالية غاضبة على كل من يحاول ملامسة المقدس ولو كان مقلاع داود أو حمار العذير، طبعا سنغضب أكثر من غضب كل كمبيوترات العالم، عادة للتملص من استحقاقات ملحة وتنتظر الدفع نغضب ونفصّل غضبنا على طول المشكلة، نقص ونقطع ونرقع ونضيف بعبقريات نادرة من التراث ومن العصر الراهن بسبب من عجزنا المزمن في تأسيس ثقافة قادرة على التكيف مع غيرنا. وقت يرين العجز ولا تعود تذهلنا العبقريات التراثية الغاضبة، نستنصر عوالم غيبية، أبالسة وجن وشياطين ونخصّب ذهنية خرافية مع آلياتها المرافقة كالمنادل والتعازيم والرقى والتعاويذ التي تصير أشد ما تكون عليه عندما تستشري عمليات القمع والاستبداد من فوقنا أو من تحتنا. يتحكم السلاطين وتتحكم الشياطين ونذالات الأقربين والأبعدين. متفقون بلا اتفاق على إلغاء المؤشرات الإنسانية ومداهمتها بضربات متتالية من كل صوب لإقعادها ! يرحب في هذه المرحلة بثقافة الجراء العاوية لحراسة مزارع السيد الوارفة وتسود في المجتمع ثقافة الذل والإهانة وما يتبع من لصوص ومبتزين ومنافقين ومرتشين وخونة ومن كان مصطفا وراء هذه الروائع. يصعب التحرر من وهم السجون الإيديولوجية الكبرى والصغرى التي ما زالت تلعق إنسانيتنا وكرامتنا وتؤكد على ما يتضاد مع مصالحنا الحقيقية. نغل بعرقنا في أهراءات الذين يقفون بشراسة في الجهة المعطلة للحياة والتوجه نحو المستقبل. التماهي ليس حلا، قد يدوم قرونا ويبدو كما لو أنه فطري فينا لكنه ليس فطريا. محاولة ناجعة لطرف محدد في التكيف مع الجور والتسلط وهو أكثر ما يحسّسنا بالغربة الإنسانية وكأننا متروكون وراء الحائط وحدنا. من داخلنا غير متراصفين على الفضائل والخير ! يستهوينا العنف وخرق اللوائح والتشبث بالمواصفات الحارنة التي تتبضّع أخلاقها من كل ما يدعم توجهها لهدم ما هو فعال وإيجابي في الأمة دون شفقة حتى باتت موضة مثيرة للعجب أن تسفه كل ما هو حضاري وكأنه بطولة ! أخلاقية السوق هكذا ! سوق الحمير أو سوق الدواب وهذه الأسواق لا تكترث بمنسوب الكرامة وتكافؤ الفرص. لا استثني أحدا الكل خائف والكل مقهور والكل مدان والكل تحت الطلب، وفوق هذا الكل كذاب ومنافق ومحكوم. وحيث كانت سلطة قامعة ستؤسس لفترات طويلة موضة القتل والنهب والحرق والموت وستكون مستعدة لبيع أوطانها بالمزاد العلني دون تردد وفي وضح النهار أو التواطؤ مع العدو ضد الرعية، وفعلها التاريخ كثيرا، في سبيل الإبقاء على العروش التي لم تتصل ولا مرة مع الحد الأدنى من شروط الكرامة الموهوبة من الخالق للناس. الخوف والذل والقهر هي السلع الرائجة التي ينقطها رجال السماء ورجال الحاكم في حلوقنا نقطة نقطة. من داخلنا إحساس قوي أننا لسنا أكثر من دود سارح على المزابل ينتظر استكمال دورته البيولوجية وغير محمي من الدوس عليه ! هذه العلاقة النادرة لن تفضي للإنسان أبدا ! للحيوان، للحشرة ! للكائن المستباح والذي استباح غيره !! لأي شيء قد تفضي، لكن ليس للإنسان الذي وعدنا الله به. هل هناك من سيسمع أو يقرأ هذه التوسلات الشهيدة الباكية؟ لا أعرف !... [ انتهى ] *** *** ***
الاحد, 18 نوفمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








